أبي منصور الماتريدي

208

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يتهمان في الابن ، والولد يتهم في والديه ، ولا يكون من بعض إلى بعض خيانة في الغالب ؛ لأن يعقوب نهى ولده يوسف أن يقصها على إخوته ، وأخبر أنهم إذا علموا بذلك كادوه وحسدوه ، ولم ينهه بمثله في أمه ؛ دل أن الأخ لا يتهم في شهادة أخيه ، ويتهم الأب والأم في شهادتهما لولدهما ، وكذلك الولد يتهم في والديه ، ولهذا قال أصحابنا : إن شهادة الوالد لولده لا تقبل ، وكذلك شهادة الولد لوالديه ، وأما شهادة الأخ لأخيه تقبل وإنما كان كذلك ؛ لما ينتفع الولد بمال والديه ، والوالد بمال ولده ، ولا ينتفع الأخ بمال أخيه ، وكل من انتفع بمال آخر اتهم في شهادته له ، ولم تقبل شهادته ، وكل من لم ينتفع به قبلت ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ . ظاهر العداوة . وقال موسى حين قتل ذلك الرجل : هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ القصص : 15 ] بدء كل شر يكون من الشيطان ، يقذف في القلوب ، ويخطر في الصدور ، ثم تكون العزيمة على ذلك والفعل من العبد ، وهو ما قال : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ الأعراف : 200 ] ، وقال : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ . . . الآية [ الأعراف : 201 ] . والطيف والنزغ : هو القذف والوسوسة ، فإذا ذكر الله ذهب . وقيل : الكيد والمكر سواء ، وهو قول أبي عوسجة . وقال القتبي « 1 » : الكيد : هو الاحتيال والاغتيال « 2 » . وقيل : الكيد : هو أن يطلب إيصال الشر « 3 » به على غير علم منه ؛ وكذلك المكر . وقوله - عزّ وجل - : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ . تأويله - والله أعلم - أي : كما اجتبى ربك أبويك بالرسالة والنبوة ، واصطفاهم بأنواع الخيرات ، وأتم نعمته [ عليهم ، كذلك ليجتبيك ربك ويتم نعمته ] « 4 » عليك وعلى آل يعقوب .

--> - إظهار النعمة عند من يخشى غائلته حسدا ، وفيها أيضا : دليل على معرفة يعقوب - عليه الصلاة والسلام - بتأويل الرؤيا ؛ فإنه علم من تأويلها : أنه سيظهر عليهم . ينظر : اللباب ( 11 / 114 ) . ( 1 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 212 ) . ( 2 ) ذكره بمعناه البغوي ( 2 / 409 ) ، وكذا أبو حيان ( 5 / 281 ) . ( 3 ) في أ : شر . ( 4 ) سقط في أ .